عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
90
معارج التفكر ودقائق التدبر
[ مننّا ] : أي : أحسنّا وتفضّلنا وأنعمنا ، باستعمال ضمير المتكلّم العظيم ، إذ كان في هذه المنّة ألطاف ربّانيّة عجيبة . المنّ : هو في اللّغة الإحسان والتفضّل والإنعام . يقال لغة : « منّ فلان على صديقه يمنّ منّا » ، أي : أنعم عليه بنعمة طيّبة . [ مَرَّةً أُخْرى ] : أي : غير منّة مكالمتك ، ومنحك النّبوّة والرّسالة ، وآيتي العصا واليد ، مع ما سنعطيك من آيات لم نكشف لك مفرداتها في هذا اللّقاء . وهذه المنّة الأخرى الّتي سيأتي بيانها هي منّة حمايته من الذّبح ، بأيدي جنود فرعون صاحب الأمر بذبح المواليد الذكور من بني إسرائيل . إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى ( 38 ) : أي : ضع في ذاكرتك يا موسى أننا أوحينا إلى أمّك إلهاما منّا أن تعمل أعمالا كانت سببا صوريّا في نجاتك من الذّبح وتنشئتك في القصر الفرعوني تنشئة أبناء الملوك . أو مننّا عليك وقت أن أوحينا إلى أمّك ما يوحى . [ ما يُوحى ] : أي : ما يوحى نظيره لغيره الأنبياء والمرسلين ، إذ يأتيهم إلهاما على شكل خواطر قويّة دافعة بقوة إلى العمل بمقتضاها ، أو بواسطة حلم جليّ يرى في المنام ، أو بواسطة ملك يأتي بصورة إنسان ناصح غير معروف أنّه ملك . وقد جاء في بيانات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ اللّه أرسل ملائكة لبعض عباده ، فبلّعوهم وأخبروهم أخبارا صادقة دون أن يكون المرسل إليهم أنبياء ، كما جاء في حديث الأقرع والأبرص والأعمى ، عند البخاري ومسلم ، وكما جاء في الصحيح من أنّ الملائكة سلّمت على عمران بن الحصين ، وهو ليس بنبيّ ، وكما جاء في حديث الذي ذهب ليزور أخا له في اللّه ساكن في بلد غير بلده فظهر له الملك وسأله عن قصده وحادثه ، فليس مثل هذا مقتضيا للنّبوّة .